الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
72
مناهل العرفان في علوم القرآن
وحده ، فهو حقيقة فيه مجاز في الآخر . وقيل عكس ذلك . وقيل وضع للقدر المشترك بينهما . ولكن هذه الآراء الأخيرة يعوزها الدليل ولا يخلو توجيهها من تكلف وتأويل . النسخ في الاصطلاح : لقد عرف النسخ في الاصطلاح بتعاريف كثيرة مختلفة . لا نرى من الحكمة استعراضها ، ولا الموازنة بينها ونقدها . وما دام الغرض منها كلها هو تصوير حقيقة النسخ في لسان الشرع ، فإننا نجتزئ بتعريف واحد نراه أقرب وأنسب ، وهو ( رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي ) . ومعنى رفع الحكم الشرعي قطع تعلقه بأفعال المكلفين لا رفعه هو ، فإنه أمر واقع ، والواقع لا يرتفع . . . والحكم الشرعي هو خطاب اللّه المتعلق بأفعال المكلفين إما على سبيل الطلب أو الكف أو التخيير ، وإما على سبيل كون الشيء سببا أو شرطا أو مانعا أو صحيحا أو فاسدا . . والدليل الشرعي هو وحى اللّه مطلقا متلوا أو غير متلو ، فيشمل الكتاب والسنة . أما القياس والإجماع ففي نسخهما والنسخ بهما كلام تستقبله في موضع آخر . وقولنا : ( رفع ) جنس في التعريف ، خرج عنه ما ليس برفع ، كالتخصيص فإنه لا يرفع الحكم وإنما يقصره على بعض أفراده . وسيأتي بسط الفروق بين النسخ والتخصيص فانتظره . وقولنا : ( الحكم الشرعي ) قيد أول ، خرج به ابتداء إيجاب العبادات في الشرع ، فإنه يرفع حكم العقل ببراءة الذمة ، وذلك كإيجاب الصلاة فإنه رافع لبراءة ذمة الإنسان منها قبل ورود الشرع بها ، ومع ذلك لا يقال له نسخ وإن رفع هذه البراءة ، لأن هذه البراءة حكم عقلي لا شرعي ؛ بمعنى أنه حكم يدل عليه العقل حتى من قبل مجيء الشرع . ولا يقدح في كونه حكما عقليا أن الشرع جاء يؤيده بمثل قوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا .